الإسلام بلا كنيسة: كيف يفرض النص الديني سلطته على الفكر؟

هل يكفي غياب الكنيسة لنفي الحاجة إلى العلمانية؟ من ابن سينا إلى فرج فودة ونصر حامد أبو زيد، يتتبع المقال آليات محاكمة التفكير الحر، ويسائل سلطة النص الديني على الفكر والمجتمع.

تخيلت مقدم برنامج "إضاءات" تركي الدخيل وكأنه قاضي تحقيق أكثر من كونه مقدماً لبرنامج، وتخيلت المفكر محمد أركون يحاول دفع التهم عنه أكثر من كونه يجيب عن أسئلة محاوره كي يتعلم الناس في العالم العربي منه شيئاً مفيداً لمستقبلهم. لم يكن هذا خيالاً محضاً، فقد صدر الحكم من قبل بعض المشايخ بعد المقابلة بأنه زنديق يدعو إلى إسقاط قدسية القرآن.

تذكرت إعدام جيوردانو برونو حرقاً وهو حي في 17 فبراير من عام 1600، وذلك بموجب حكم صدر عن محاكم التفتيش الرومانية بتهمة الهرطقة والتشكيك بالعقائد الدينية للكنيسة. وتذكرت كذلك محاكمة جاليليو جاليلي عام 1633 أمام محاكم التفتيش أيضاً بتهمة الاشتباه الشديد بالهرطقة؛ حيث نجا جاليليو من مصير برونو بعد تراجعه العلني عن آرائه، وكان مصير برونو شاهداً على ما قد تفعله هذه التهمة.

هنا تصاعد وهناك تراجع الصراع بين العلماء والمفكرين من جهة وبين الكنيسة في أوروبا الغربية من جهة أخرى. وتحالفت الكنيسة والأمراء والملوك للتخلص من خصوم كل منهم. هذا تبسيط مخل، إلا أننا معنيون في سياق هذا المقال بالنتيجة التي توصلت إليها المجتمعات الأوروبية الغربية: تحجيم سلطة الكنيسة على السياسة وإنتاج المعرفة، أي الدخول في المسار الذي نسميه اليوم العلمنة والعلمانية.

يحتج الكثير من المسلمين، حتى بعض المفكرين منهم من وزن محمد عابد الجابري، أن العلمانية غير ذات موضوع في العالم الإسلامي لأنه لا كنيسة في الإسلام. لكن هل يمنع عدم وجود مؤسسة دينية مركزية الإسلام من اضطهاد التفكير الحر والنقد؟*

قد يكون العكس؛ فعدم وجود كنيسة (أي مؤسسة مركزية) يمنح الإسلام تنوعاً أكبر ومرونة أكبر في آليات حراسة حدود المقبول وغير المقبول دينياً وفرض تلك الحدود على الجميع. لنفحص هذا الادعاء من خلال تصفح سريع للتاريخ.

  • ابن الراوندي: بالرغم من أنه يُعتبر رمزاً للزندقة في الثقافة الإسلامية، إلا أنه لم تصلنا كتبه مستقلة، إنما بقيت منها شذرات واقتباسات حفظتها كتب خصومه أثناء الرد عليه غالباً.
  • أبو بكر الرازي: أحد أعظم الأطباء في التاريخ الإسلامي، وهذا فقط ما يُعرف به الرازي على نطاق واسع في المجتمعات الإسلامية. من النادر أن تجد أحداً يعرف أن الرازي كان فيلسوفاً أيضاً وله مواقف تجاه النبوة والأديان. أما مواقفه الأكثر جذرية من النبوة والأديان فنعرفها أساساً من خلال خصومه الذين وصفوه بالإلحاد والزندقة.
  • ابن سينا: أحد أعظم الأطباء في العالم، حكم أبو حامد الغزالي بالكفر على ابن سينا والفارابي بسبب ثلاث مسائل فلسفية ناقشها في كتابه "تهافت الفلاسفة".
  • السهروردي: مؤسس الفلسفة الإشراقية. كان قريباً من الملك الظاهر بن صلاح الدين. اتهمه فقهاء حلب بالزندقة وأُعدم بعد ضغط منهم وتدخل من صلاح الدين نفسه.
  • علي عبد الرازق: بعد إصدار كتابه "الإسلام وأصول الحكم" في عام 1925، والذي جادل فيه أن الخلافة ليست أصلاً دينياً ملزماً، حاكمته هيئة كبار العلماء في الأزهر وقررت بالإجماع إخراجه من زمرة العلماء واعتباره غير أهل لتولي وظيفة دينية أو غير دينية.
  • طه حسين: بعد صدور كتابه "في الشعر الجاهلي" عام 1926، والذي طبق فيه نقداً شكياً على المرويات المتعلقة بالشعر الجاهلي وانتهى إلى أن جانباً كبيراً منه منحول. على إثر ذلك تقدم أزهريون ببلاغ ضده واتهموه بالطعن بالقرآن والنبي. وبالرغم من حفظ التحقيق، إلا أن الكتاب سُحب من الأسواق وأعيد إصداره بعد تعديله تحت عنوان "في الأدب الجاهلي".
  • محمود محمد طه: عارض قوانين سبتمبر التي فرضها جعفر نيمير باسم الشريعة عام 1983. وبعد أن وزع الجمهوريون منشو "هذا أو الطوفان" المطالب بإلغائها، اعتقل وحوكم وأدين بالردة والهرطقة ثم أُعدم شنقاً في يناير عام 1985.
  • فرج فودة: كان داعياً للعلمانية وناقداً لمشروع الإسلام السياسي. صدرت بيانات وفتاوى تصمه بالردة في 3 يونيو عام 1992 واغتيل بعدها بخمسة أيام. وقد صرح أبو العلا عبد ربه، أحد المشاركين في اغتياله، بأنه استند إلى فتوى دينية. وفي عام 2012 حصل عبد ربه على عفو رئاسي في عهد الرئيس محمد مرسي. ولم يتراجع بعد خروجه من السجن عن موقفه من قتل فرج فودة، بل توجه إلى سوريا وانضم إلى جماعات جهادية وقُتل هناك.
  • نصر حامد أبو زيد: اشتهر بنقده للخطاب الديني ودعوته إلى تأويل النص الديني ودراسته دراسة نقدية. اتُهم بالكفر ووضع القرآن في سياق تاريخي وثقافي. ثم رفع عليه محامون متدينيون دعوى حسبة لإثبات ردته والتفريق بينه وبين زوجته. وبعد مساجلات قضائية حكم بالتفريق بين نصر حامد أبو زيد وزوجته ابتهال يونس، فخرج على إثرها من مصر إلى هولندا.

استعراض هذه الحالات يبين أن اللامركزية الدينية -بالمعنى المؤسسي- لم تكن عائقاً أمام فرض السلطة المعيارية للإسلام على المجتمعات ومحاكمة من يخرج عنها. بل تسمح لنا بطرح فرضية أكثر إزعاجاً: قد يكون عدم وجود مؤسسة دينية مركزية عاملاً مساعداً على قدرة الإسلام حتى الآن على فرض سلطته على التفكير.

في الحقيقة، لقد حاول محمد أركون تفكيك ما سماه العقل الإسلامي الذي تكوّن بين القرنين الثاني والخامس الهجريين، ورأى في الإمام الشافعي محطة مركزية في تشكل هذا العقل. ويبدو مغرياً القول إن هذا العقل الإسلامي هو الذي يعمل بشكل لا مركزي من خلال رجال الدين والمفكرين والفقهاء الإسلاميين من أجل ضبط المجال العام في حدود المقبول. يبدو ذلك مغرياً لأن القول بذلك يفتح باب الأمل بمراجعة التراث الإسلامي منذ عصر الشافعي بهدف الشروع بإعادة تكوين العقل الإسلامي. لكن لا أستطيع مقاومة إغراء السؤال التالي: هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟ أي بمعنى آخر: هل كان يمكن للمفكرين المسلمين أن يتوصلوا إلى غير ما توصل إليه الشافعي في أصول الفقه؟ وبصورة أعم، هل كان يمكن أن يكون هناك عقل إسلامي غير هذا الذي تعرف عليه أركون؟

وهنا أصل إلى الفرضية التي سأعود إليها في مقالات لاحقة: أعتقد أن المشكلة الأعمق تكمن في المكانة المعيارية التي يحتلها النص المقدس نفسه؛ أي في افتراض أن لهذا النص حقًا سابقًا ودائمًا في تحديد المسموح والممنوع في مجالات الحياة المختلفة. وبالتالي لم يرتكب الشافعي جناية كما اتهمه زكريا أوزون، بل كان أميناً لمقتضيات النص.

وإذا أردنا أن نجد المقابل الإسلامي لسلطة الكنيسة، فليس هو العقل الإسلامي الذي تحدث عنه أركون، ولا الفقيه، بل النص، أي القرآن والحديث. هو الكنيسة التي يحملها كل مسلم معه في حياته أينما كان ومهما فعل، ويضبط وفق تعاليمها حركاته وسكناته وأفكاره، والأهم: أفكار الآخرين. وبذلك يبدأ الضبط المعياري في الإسلام من البيت داخل الأسرة في المأكل والمشرب والملبس، ثم يتوسع إلى المدرسة والحي والمجتمع والدولة والقانون والاقتصاد وكل مناحي الاجتماع الإنساني.

النص المقدس الذي يحمله كل مسلم معه بدرجات مختلفة هو المرجعية التي تُستخدم لمحاكمة التفكير النقدي، وهو المرجعية المُستخدمة لمحاكمة كل هؤلاء الذين ذكرتهم في المقال، وأولئك الذين لا يمكن لمقال أن يتسع لأسمائهم. لذلك فإن العلمانية التي نحتاجها في العالم الإسلامي هي نزع حق النص المقدس في فرض أحكامه على العلم والسياسة والقانون ومجالات الاجتماع الإنساني.

سوف أتوقف عند هذا الحد في هذا المقال، على أن أعود للسلطة المعيارية للإسلام وعلاقتها بالنص المقدس في مرات قادمة.

*قد يقول الكثير من المسلمين إن اضطهاد المفكرين ليس من الإسلام في شيء. وأجيب بأن هذا لا يعنيني؛ فكل هذا الاضطهاد مرفق بفتاوى دينية مستندة إلى نصوص دينية مقدسة إسلامية. إن كنت مقتنعاً حقاً أن هذا ليس من الإسلام في شيء، فأنت المسؤول بالدرجة الأولى عن الوقوف في وجه هؤلاء الذين يحرضون وأولئك الذين يفتون وأولئك الذين ينفذون.

4 تعليقات

  1. اتفق معك بالفارق بين مركزية الكنسية في اوربا وبين لا مركزية الفكر الاسلامي في اضطهاد الافكار المخالفة
    وأؤكد على ان مواجهة حالة لا مركزية من قبل الافكار العلمانية اصعب من مواجهة مؤسسة مركزية لعدة اسباب :
    ١- عند مواجهة حالة لا مركزية مثل الكنسية يسهل تحديد الآخر ومرتكزاته التي يقوم عليها وبالتالي يسهر تحليل وتفكيك هذه المنظومة
    ٢- الكنيسة تشكل مؤسسة ببنيتها وبالتالي تفكيكها اسهل باعتبار ادوات التفكيك ستكون ادوات مادية وستتغدو اوضح واسهل تحديداً اما عند مواجهتك لمنظومة فكرية وايمانية تصبح المجابهة تعتمد على تغيير نمط تفكير او تفكير عقل يرتكز على عوامل كثيرة منها التراث والحالة الايمانية وبالتالي فتفكيك هذا العقل بحتاج للكثير الكثير من التحليل لنتمكن من فهمه وتحديد مرتكزاته ووضع رؤية لامكانية تفكيكه او تحويله لطريقة تفكير علمية
    ٣- تفكيك المؤسسة او الحالة المركزية يمكن ان يحدث نتيجة احداث تاريخية آنية مثل الثورات بينما تغيير بنية العقل تحتاج لعشرات السنين ان لم نقل قرون لتفكيك العقلية واحلال منهجية علمية بدلاً منها وبالتالي خلال هذه الفترة تغدو حالات الردة واردة جداً باعتبار ان العقلية القديمة قد تعيد انتاج ذاتها بأشكال مختلفة وبصور اكثر حضارية احياناً ولكن بنفس العقلية
    ٤- استطاعت النهضة الاوربية استغلال سلاح الفكر العلمي القائم على الشك والتفكير المنطقي من الالتقاء حول الكنيسة وتحويلها لمؤسسة غير فاعلة في العقل الاوربي وحددتها بشكل كبير لتصبح مؤسسة فارغة من محتواها وابعدتها عن عجلة التطور المطلوبة للنهضة
    كل ما سبق – وفي حال خضنا وسمحنا لانفسنا بالمقارنة اكثر – تجعل من مواجهة الحالة الدينية بشكلها السلبي لدى المجتمع العربي اصعب بكثير من الحالة المثيلة التي واجهت تيارات النهضة في مواجهتهم للكنيسة وقد يكون ذلك ما بنى عليه الجابري نظرته ان الكنيسة غير موجودة لدينا بشكلها الاوربي ولكن ما اختلف معه ان الحالة ليست اسهل بل اصعب من مثيلتها في اوربا لان اعادة تفكيك الفكر الاسلامي وبناءه على اسس عقلية ومنطقية يتعارض في كثير من مراحله مع الحالة الايمانية التي قام عليها هذا العقل وبالتالي يضعك في مواجهة ليس مع واقع التيارات الدينية المتشددة الحالية بل مع ارث حضاري يمتد لمئات السنين يحتاج لاعادة قراءة لاستيعاب مكونات هذا العقل وتحليله ووضع اجابات له
    وهنا نصل للنقطة المفصلية التي ستواجه اي باحث وهي هل يمكن نقد التراث من داخله واستعمال بعض من ادواته لمحاولة الاقتراب اكثر من الآخر لتفكيك منظومته , أم ان الادوات المطلوبة للتغيير ستكون حتماً من خارج المنظومة كلياً لانه لا يمكن بناء منظومة جديدة منطقية وعلمية بالاعتماد على ادوات من المنظومة المطلوب تفكيكها أصلا؟

    مع مودتي
    بسام

    • أعتقد أن العودة إلى التراث ضرورية، لكن ليس كما يتوهم البعض من أجل انتقاء الصالح وترك الطالح، الانتقاء من التراث غير موجود إلا في خيال المتمسكين به، أقول أن العودة إلى التراث هي من أجل فهم العقل الإسلامي والتاريخ الإسلامي من أجل تعزيزي فهمنا لأنفسنا. لكن لا يمكن أن نجد في تراث عمره مئات السنين ما يمكن أن ينفع في العصر الحديث. التطور متسارع، كان يمكن قفي القرن التاسع عشر أن تستفيد من معطيات القرن السابع عشر، لكن في القرن الواحد والعشرين من الصعب أن تستفيد من معطيات القرن التاسع عشر فما بالك بالقرن العاشر. التفكير النقدي يجب أن يكون الأداة الأهم بين أيدينا للتعامل مع مشكلات عصرنا.

  2. مين يصدر، ينتج القيم في العالم الاسلامي اليوم، هل يصح القول اننا مازلنا نعيد استهلاك القيم التي انتجت قبل ما يقارب ٨٠٠ سنة، هل يمكن انتاج قيم خارج مظلة القران و السنة وكتب الحديث، لماذا نحتاج لانتاج القيم واعادة تعريف ماهو مقبول …

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *