منهج النقد
كانت الخطة قبل الشروع بقراءة الكتاب هي النظر من خلال منهج البحث المعلن، الذي يكون عادة في بداية الكتاب، ثم تطبيق المنهج نفسه على النص لنختبر إن كان سوف يولد النتائج التي توصل إليها محمد شحرور فعلاً. أي تشغيل آلته النظرية وجعلها تعمل في النص لمعرفة حدودها واختبار إمكانية صمودها أمام حالات أخرى غير التي قررها شحرور نفسه في الكتاب. وبعبارة أخرى: هل يستطيع منهج الكتاب إنتاج نتائج مستقلة عن تلك التي يريد محمد شحرور الوصول إليها مسبقاً؟
بعد الانتهاء من قراءة المقدمة قفزت إلى قراءة الملحق الذي كتبه الدكتور جعفر دك الباب المعنون بـ “أسرار اللسان العربي” لأن هذا المفهوم محوري في كل بناء محمد شحرور. وبمجرد الانتهاء منهما كنت قد سجلت ما يقارب ألفي كلمة من الملاحظات الحرة التي ما تزال بحاجة إلى المزيد من التدقيق والعمل لصياغتها وربطها مع السياق النقدي. لذلك لم يعد من المجدي قراءة الكتاب المؤلف من أكثر من ثمانمئة صفحة بشكل خطي وتسجيل كل إشكال فيه. لأن نقد كل نتيجة على حدة سيحول النقد إلى مطاردة غير منتهية للتفاصيل. سأضطر مثلاً إلى دراسة تاريخ القراءات والأحرف السبع للقرآن واللهجات العربية والنقوش لكي أرد على بضع صفحات فيما يخص “اللسان العربي”. في حين أن السؤال الأسبق هو: ما القواعد التي تولد هذه النتائج أصلاً؟
وقد أظهرت القراءة الأولية نمطان “استدلاليان” متكرران:
- ما يمكن أن نسميه الاستدلال القافز: حيث توجد محاولة للاستدلال لكن حلقاتها معيبة ويمكن تمثيلها بالنموذج:
دعوى ← غياب تعريف إجرائي ← قفزة مفهومية ← إعادة توصيف الدليل ← استنتاج ← استعمال الاستنتاج نفسه مقدمةً لاحقة.
أي أن الدعوى لا تتحول إلى نتيجة بواسطة سلسلة معلنة من القواعد والمعايير، بل عبر انتقالات مفهومية وإعادة توصيف للأدلة لا يكون مبررها واضحاً، ثم تتحول النتيجة المتحصلة إلى مقدمة مستقرة يُبنى عليها ما يليها.
- ما يمكن أن نسميه الرصف التقريري: وهنا لا توجد محاولة استدلال حقيقية، بل تُساق النتائج نفسها في صور مقدمات. وهو رصف يوهم بالاستدلال، لأن قوته البلاغية تأتي تحديداً من كثافة التقريرات وسرعة تتابعها مما لا يمنح القارئ متنفساً للسؤال: ما الدليل على الأولى؟ وهل الثانية تنتج عنها أصلاً؟ أي أن الدعوى مقررة سلفاً بوصفها نتيجة.
وسوف أختبر من خلال عينات متعددة ما إذا كان هذان النمطان عارضين أم بنيويين. فإن ثبت أنهما بنيويين فيمكنني اتخاذ قرار أكثر اقتصاداً: إما أن هناك بالفعل نظرية لغوية ونظرية معرفية متماسكتين تستحقان أن نفحصهما، أو أننا أمام جهاز لإنتاج نتائج ذات مظهر منهجي من مقدمات غير مؤسس لها. أي بعبارة أخرى: هل توجد نظرية أصلاً بالمعنى الذي يسمح أن تكون صحيحة أو خاطئة، أم مجموعة مسلمات وتأويلات ومصطلحات تتحرك وظائفها بحسب الحاجة الاستدلالية؟
لكن قبل ذلك كان علي وضع خريطة أولية توجهني أثناء العمل حتى لا أغرق بالتفاصيل كما أوضحت سابقاً:
أولاً: مُساءلة المنهج المعلن في الكتاب: هل يحقق أصلاً الشروط ليكون منهجاً؟
ثانياً: نقد أطر التشغيل التي يستند إليها محمد شحرور. حيث يمكن رد جانب كبير من مشروعه التأويلي إلى ثلاثة مرتكزات مترابطة:
- إطار تشغيلي لساني يتمثل بمفهوم “اللسان العربي المبين” وما يرتبط به من تصورات عن الجذر والاشتقاق والعلاقات الصوتية والدلالية. بدونه لا يمكن أن يشتغل إطار العمل الدلالي.
- إطار تشغيلي دلالي يقوم بصورة رئيسية على النفي المطلق للترادف واستنباط فروق مفهومية من اختلاف الألفاظ. ومن النتائج الأولى لتطبيق هذا الإطار هي التمييز بين الكتاب والقرآن والذكر والمصحف. وهذا التمييز سمح للشحرور أن يصنف الآيات ويميز بين النبوة والرسالة وأن يميز بين المطلق والنسبي، ويفرق بين الإنزال والتنزيل، أي أنها كانت الطبقة الأولى التي لا يمكن إتمام البناء بدونها.
- إطار تشغيلي للتعامل مع السنة والمرويات يحدد ما يحق له أن يُعد شاهداً على القرآن وما لا يحق له ذلك. أي بعبارة أخرى، يحدد قيمتها المعرفية والتشريعية ودورها في تأويل النص.
يمكن أن يُطرح السؤال التالي: لماذا تم اعتبار الإطار التشغيلي الخاص بالسنة والمرويات أحد المرتكزات الثلاثة رغم أن شحرور لم يُعنى بها مقارنة مع الموضوعات الأخرى ولم يستخدمها كما استخدم “اللسان العربي المبين” و “عدم الترادف”؟
من الواضح أن محمد شحرور يأخذ، من حيث المبدأ، بالأحاديث، فهو يقول «كان النبي يصر على تدوين الكتاب وكان في الوقت نفسه يأمر الناس بعدم تدوين أقواله الشخصية» (ص 39). والأحاديث والمرويات لها أثر بالغ الأهمية في فهم القرآن لأنها وفي كثير من الأحيان تمنح الآيات سياقها التاريخي الذي يعطيها المعنى. كما أن الأحاديث والمرويات تؤدي وظيفة إبستمولوجية حارسة: أي تحديد ما هي الأدلة الخارجية (عن القرآن) التي يمكن أن تقيد التأويل وما الأدلة التي يمكن استبعادها. أي أن قرار قبولها أو استبعادها يستطيع أن يُغير مجموعة الأدلة المتاحة أصلاً للمفسر. أي أن هذا القرار يتحكم جزئياً في حدود الأدلة التي يُسمح لها بالدخول اصلاً في عملية التأويل.
وأخيراً، إذا سقط الأساس (المنهج والأطر التشغيلية) تسقط معه المسارات الاستدلالية التي نتج عنها البناء وتفقد صلاحيتها.
مُساءلة المنهج
يشدد محمد شحرور في غير مكان أنه يتبع منهجياً علمياً موضوعياً، ثم يطالعنا في مقدمة الكتاب وقبيل عرض منهجيته بموقف يستحق الوقوف عنده حيث يقول «إني لا أتصور إنساناً مسلماً وعربياً يمكن أن يقف موقفاً سلبياً من النبي لأن مثل هذا الموقف خيانة للدين من قبل المسلم وخيانة للقومية من قبل العربي. ولا أتصور إنساناً عربياً بغض النظر عن دينه يقف موقفاً سلبياً من النبي ويقول عن نفسه: إنه وطني أو عربي» (ص 39).
وهذا تعارض حاد بين ادعاء إبستمولوجي (البحث حر وعلمي وموضوعي) من جهة، وبين حكم معياري (بعض النتائج تجعل صاحبها خائناً) من جهة أخرى. حيث تظهر نزعة إلى إخراج من يرفض المسلمات العقدية للباحث من دائرة المشروعية. وعليه يصبح تكرار استخدام “الموضوعية” مشكلة عميقة في المنهج.
أما المنهج الذي استعرضه محمد شحرور من الصفحات 42 حتى 45 فيمكن التعامل معه على مستويين، مجمل وتفصيلي.
عندما يقول باحث “منهجي علمي وموضوعي” فإننا نتوقع شيئاً من قبيل:
- نوع الأدلة المقبولة
- كيفية الترجيح بين تفسيرين متنافسين
- كيفية التمييز بين اكتشاف معنى جديد وبين إسقاط معنى حديث على النص
- والأهم ما هي آلية تخطيء التأويل: أي ما الذي يفنّد تأويلاً ما؟
بدلاً من ذلك نقرأ في فقرة «ما هو المنهج المتبع في هذا الكتاب» مجموعة معتقدات فلسفية عن العالم من قبيل: العالم مادي، المعرفة تبدأ بالحواس، العقل قادر على المعرفة، الكون يبدأ بالانفجار الكبير ..الخ
فيبدو هنا أن شحرور لا يميّز بين المنهج ونظرية المعرفة والأنطولوجيا والافتراضات العقدية والنتائج العلمية.
أما في التفاصيل، مع الحفاظ على ترقيم الفقرات الأصلية في الكتاب:
- «العلاقة بين الوعي والوجود المادي هي المسألة الأساسية في الفلسفة، وقد انطلقنا في تحديد تلك العلاقة من أن مصدر المعرفة الإنسانية هو العالم المادي خارج الذات الإنسانية، ويعني أن المعرفة الحقيقية (غير الوهمية) ليست مجرد صور ذهنية، بل تقابلها أشياء في الواقع، لأن وجود الأشياء خارج الوعي هو عين حقيقتها، لذا فإننا نرفض قول الفلاسفة المثاليين: إن المعرفة الإنسانية ما هي إلا استعادة أفكار موجودة مسبقاً. وقد أكد القرآن الكريم هذا المنطلق بقوله: الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (النحل 78)» (ص 42)
من ناحية أخرى، إن الانتقال الذي قام به شحرور من “الأشياء موجودة خارج الوعي” إلى إلى أن “وجودها خارج وعينا هو عين حقيقتها” ليس بديهياً إطلاقاً. لأن وجود شيء مستقل عني لا يعني بالضرورة أني أعرف حقيقته كما هي في ذاتها بمجرد الإدراك الحسي.
أما الآية فيمكن أن يكون أحد أوجه تفسيرها أن الإنسان لا يولد حامل معرفة جاهزة. إلا أنه لا يمكن الوقوع على الجسر الاستدلالي للوصول إلى النتيجة الفلسفية آنفة الذكر. ويمكن هنا تطبيق النمط الاستدلالي:
دعوى ← غياب تعريف إجرائي ← قفزة مفهومية ← إعادة توصيف الدليل ← استنتاج ← استعمال الاستنتاج نفسه مقدمةً لاحقة.
- الدعوى: وجود الأشياء خارج وعينا هو عين حقيقتها، والسند هو الآية المذكورة.
- غياب تعريف إجرائي: دخول عدة مفاهيم أساسية في سلسلة الاستدلال: الحقيقة، الوعي، المعرفة دون تحديد ما المقصود بها ولا كيفية الانتقال من أحدها إلى الآخر
- قفزة مفهومية: افتراض أن تفعيل الحواس لإدراك شيء ما يعني بالضرورة أن ما تدركه الحواس هو عين وجود الشيء. أي الانتقال من آلية الإدراك إلى ماهية الوجود.
- إعادة توصيف الدليل: تأويل النص وتحميله حمولة فلسفية لم تكن فيه أصلاً ليوافق الدعوى.
- استنتاج: بما أن الله خلق لنا الحواس إذاً نحن ندرك الأشياء على حقيقتها
- استعمال الاستنتاج نفسه مقدمة (الوقوع في الدور والمصادرة على المطلوب): بما أن الأشياء خارج وعينا هي عين حقيقتها «لذا فإننا نرفض قول الفلاسفة المثاليين»
وهنا يوجد تمييز شديد الأهمية: القفزة المفهومية ليست مجرد أن النتيجة «أكبر من الدليل»؛ بل إن السؤال نفسه تغيّر أثناء الاستدلال. بدأنا بسؤال: متى وكيف يعرف الإنسان؟ وانتهينا بإجابة عن سؤال آخر: ما الذي يجعل الشيء حقيقياً؟ وهذا مدعاة للقلق على مصير بقية الأسئلة في الكتاب أكثر من انقطاع الاستدلال.
- «انطلاقاً من هذه الآية الكريمة التي تقول: إن المعرفة تأتي من خارج الذات الإنسانية فإننا ندعو إلى فلسفة إسلامية معاصرة، تعتمد المعرفة العقلية التي تنطلق من المحسوسات عن طريق الحواس وعلى رأسها (السمع والبصر)، لتبلغ المعرفة النظرية المجردة، في ضوء المنجزات العلمية التي بلغتها الإنسانية في بداية القرن الخامس عشر الهجري، وندعو إلى رفض الاعتراف بالمعرفة الإشراقية الإلهامية الخاصة بأهل العرفان وحدهم أو من يسمون “بأهل الكشف” أو “أهل الله”» (ص 42 – 43).
بكل رشاقة يدعي الكاتب أن الآية السابقة «تقول: إن المعرفة تأتي من خارج الذات الإنسانية». لنطبق النمط الاستدلالي مرة أخرى:
دعوى ← غياب تعريف إجرائي ← قفزة مفهومية ← إعادة توصيف الدليل ← استنتاج ← استعمال الاستنتاج نفسه مقدمةً لاحقة.
- الدعوى: المعرفة تأتي من خارج الذات الإنسانية، والسند هو الآية المذكورة.
- غياب تعريف إجرائي: دخول عدة مفاهيم أساسية في سلسلة الاستدلال: الذات الإنسانية، المعرفة دون تحديد ما المقصود بها ولا العلاقة بينها.
- قفزة مفهومية: الانتقال من ذكر أدوات الإدراك إلى أن مصدر المعرفة خارج الذات
- إعادة توصيف الدليل: تأويل النص وتحميله حمولة فلسفية أكبر ما يدعيه ليوافق الدعوى.
- استنتاج: المعرفة تبدأ من المحسوس الخارجي الذي تدركه الحواس ثم يعالجه العقل.
- استعمال الاستنتاج نفسه مقدمة لاحقة: «فإننا ندعو إلى فلسفة إسلامية معاصرة، تعتمد المعرفة العقلية التي تنطلق من المحسوسات عن طريق الحواس»
ثم تتلاحق القفزات المفهومية بسرعة: الحواس ← المعرفة العقلية ← المعرفة النظرية المجردة ← المنجزات العلمية ← فلسفة إسلامية حديثة. ولا يسعنا إلا أن نسأل: كيف حدثت هذه الانتقالات؟ حيث يمكن تطبيق النمط الاستدلالي السابق على كل سهم من هذه الأسهم، أي على كل قفزة مفهومية.
ومن جانب آخر، يبدو أن البنية النظرية المعرفية تُكيّف بحيث تتطابق عناصرها مع الألفاظ القرآنية المتاحة: بما أن النص يذكر السمع والبصر، إذاً يجب أن يُمنحا موقعاً معرفياً خاصاً. فبدل القيام بتحقيق علمي مستقل ← ثم مقارنة النتيجة بالنص، نقوم بتحديد العناصر من النص ← ثم نستدعي العلم لإكسابها شرعية حديثة. وسوف نتحقق من تكرار هذا النمط بالإضافة إلى الأنماط الاستدلالية.
- «الكون مادي والعقل الإنساني قادر على إدراكه ومعرفته، ولا توجد حدود يتوقف العقل عندها. وتتصف المعرفة الإنسانية بالتواصل، وترتبط بدرجة التطور التي بلغتها العلوم في عصر من العصور. وكل ما في الكون مادي. وما ندعوه الآن “فراغاً كونياً” هو فراغ مادي، أي أن الفراغ شكل من أشكال المادة. ولا يعترف العلم بوجود عالم غير مادي يعجز العقل عن إدراكه» (ص 43).
دون أي استدلال يقرر الكاتب أن «كل ما في الكون مادي» وأن «العقل الإنساني قادر على إدراكه ومعرفته ولا توجد حدود يتوقف العقل عندها»
الدعوى الأولى هي دعوى أنطولوجية لا يقول بها العلم بالضرورة. العلوم الطبيعية تحدد لنفسها موضوعات ومناهج قابلة للملاحظة والقياس والاختبار. هذا لا يلزم أنه لا يوجد أي شيء غير مادي.
أما الدعوى الثانية دعوى إبستمولوجية بالغة الجرأة ولا يمكن للعلم التجريبي إثباتها بسهولة، لأن القول أن كل ما يوجد قابل للمعرفة البشرية يتجاوز ما يعرفه البشر بالفعل إلى كل ما يمكن أن يوجد وكل ما يمكن أن يُعرف. إنها دعوى ميتافيزيقية حول حدود المعرفة.
هنا يظهر نمط الرصف التقريري حيث يغيب الاستدلال تماماً ويُستعاض عنه بسلسلة متتابعة من التقريرات (الدعاوى):
- الكون مادي: تقرير أنطولوجي
- العقل قادر على إدراكه ولا حدود للعقل: تقرير إبستمولوجي لا علاقة له بالأول
- المعرفة الإنسانية متواصلة ومرتبطة بتطور العلوم: تقرير في فلسفة المعرفة والتاريخ
- كل ما في الكون مادي: تعميم كلي يعيد تثبيت الدعوى الأولى
- الفراغ شكل من أشكال المادة: دعوى فيزيائية تُستعمل لتعزيز المادية
- العلم لا يعترف بعالم غير مادي: إعادة توصيف موقف فلسفي قبْلي بوصفه موقف “العلم”
- يقول شحرور في تقدم منهجه «بدأت المعرفة الإنسانية بالتفكير المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر، وارتقت ببلوغها التفكير المجرد العام. لذا كان عالم الشهادة يعني في البداية العالم المادي الذي تعرّف عليه الإنسان بحواسه، ثم توسع ليشمل ما أدركه بعقله لا بحواسه، وعليه فإن عالم الشهادة وعالم الغيب ماديان. وتاريخ تقدم المعارف الإنسانية والعلوم هو توسع مستمر لما يدخل في عالم الشهادة، وتقلّص مستمر لما يدخل في عالم الغيب، وبهذا المعنى يظهر أن “عالم الغيب” هو عالم مادي ولكنه غاب عن إدراكنا حتى الآن لأن درجة العلوم لم تبلغ مرحلة تمكن من معرفته» (ص 43)
مرة أخرى تُكيّف البنية النظرية المعرفية بحيث تتطابق عناصرها مع الألفاظ القرآنية. حيث يعطي السمع والبصر مكانة خاصة على حساب باقي الحواس تماشياً مع الآية السابقة.
بالإضافة إلى ذلك نرصد هنا نمطي الاستدلال معاً. فمن ناحية يظهر نمط الرصف التقريري في:
- بدأت المعرفة الإنسانية بالتفكير المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر: تقرير إبستمولوجي. مع الانتباه إلى أن “التفكير المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر” مفهوم غير معرّف.
- ارتقت (المعرفة) ببلوغها التفكير المجرد العام: تقرير إبستمولوجي آخر متصل بالأول
يمكن أن نطبق النمط الاستدلالي القافز على عدة استدلالات في هذه الفقرة:
أ. بدأت المعرفة الإنسانية بالتفكير المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر ← لذا كان عالم الشهادة يعني في البداية العالم المادي الذي تعرّف عليه الإنسان بحواسه
ب. ارتقت (المعرفة) ببلوغها التفكير المجرد العام ← توسع (عالم الشهادة) ليشمل ما أدركه بعقله لا بحواسه
ج. الاستنتاجين “أ” و “ب” ← وعليه فإن عالم الشهادة وعالم الغيب ماديان
د. الاستنتاجين “أ” و “ب” ← و(عليه فإن) تاريخ تقدم المعارف الإنسانية والعلوم هو توسع مستمر لما يدخل في عالم الشهادة، وتقّلص مستمر لما يدخل في عالم الغيب
دعوى ← غياب تعريف إجرائي ← قفزة مفهومية ← إعادة توصيف الدليل ← استنتاج ← استعمال الاستنتاج نفسه مقدمةً لاحقة.
تطبيق النمط على الاستدلال “أ”:
- الدعوى: بدأت المعرفة الإنسانية بالتفكير المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر.
- غياب تعريف إجرائي: لا يعرّف “التفكير المشخص” ولا يبرهن لماذا يُختزل في السمع والبصر، ولا يقدم سنداً تاريخياً لفرضية مراحل المعرفة هذه.
- قفزة مفهومية: الانتقال من دعوى عن كيفية نشوء المعرفة البشرية إلى دعوى عن الدلالة التاريخية لمفهوم “عالم الشهادة”.
- استنتاج: لذا كان عالم الشهادة يعني في البداية العالم المادي الذي تعرّف عليه الإنسان بحواسه
- استعمال الاستنتاج نفسه مقدمة لاحقاً: يصبح هذا الاستنتاج أساساً لاستدلالات لاحقة بهدف إثبات أن عالم الشهادة يتوسع مع تقدم العلم.
لن أكرر تطبيق النمط على كل الاستدلالات، لكن تجدر الإشارة بشكل خاص إلى الاستدلال “ج”، حيث أنّ توسّع عالم الشهادة ليشمل ما ندركه بالعقل لا بالحواس فقط ← عالم الشهادة وعالم الغيب ماديان! فهنا حتى لو صحت كل المقدمات من “أ” و “ب” لا تُنتج أن عالم الغيب مادي، أقصى ما يمكن أن تنتجه هو أن بعض الأشياء التي كانت مجهولة أو غير محسوسة أصبحت الآن معلومة. أي أن: كل ما كان مجهولاً ثم عُرف # كل غيب مادي.
لقد تم هنا برشاقة، والحق يُقال، بتبديل معنى الغيب أثناء الاستدلال من ما هو غيب بالمعنى القرآني إلى ما لم يكتشفه العلم بعد.
- «لا يوجد تناقض بين ما جاء في القرآن الكريم وبين الفلسفة التي هي أم العلوم، وتنحصر بفئة الراسخين في العلم مهمة تأويل القرآن طبقاً لما أدى إليه البرهان العلمي، وذلك وفق قانون التأويل في اللسان العربي الذي شرحناه بشكل مستفيض في الباب الأول من هذا الكتاب، وفي ضوء أحدث المنجزات العلمية» (ص 43)
مرة أخرى نرصد هنا نمطي الاستدلال معاً. فمن ناحية يظهر نمط الرصف التقريري في:
- «لا يوجد تناقض بين ما جاء في القرآن الكريم وبين الفلسفة» → تقرير عن العلاقة بين الوحي والفلسفة. وهذا التقرير لا يمكن أن يكون صحيحاً بأي وجه من الأوجه، لأنه ليس هناك فلسفة واحدة، بل عدة فلسفات وبعضها يتناقض مع بعضها الآخر، فإن توافق القرآن مع أحدها فـ بالضرورة سوف يتناقض مع أخرى.
- «تنحصر بفئة الراسخين في العلم مهمة تأويل القرآن» → تقرير تفسيري يحدد جهة الاختصاص بالتأويل.
- «يكون التأويل طبقاً لما أدى إليه البرهان العلمي» → تقرير منهجي يجعل النتائج العلمية معياراً موجهاً للتأويل.
أما نمط الاستدلال القافز فهو يتمثل في:
تقرير التوافق بين القرآن والفلسفة ← تقرير مكانة العلم ← إسناد التأويل إلى «الراسخين» ← جعل البرهان العلمي موجهاً للتأويل ← توسيع البرهان إلى أحدث المنجزات العلمية.
والقفزة المركزية الأهم هي: من عدم التناقض بين القرآن والمعرفة العقلية/العلمية إلى جعل العلم الخارجي معياراً لإعادة تحديد دلالة القرآن.
فالنتيجة أقوى بكثير من المقدمة. عدم التناقض يمكن أن يكون نتيجةً لعملية تفسير، أما عند شحرور هنا فهو يتحول إلى قاعدة مسبقة تضمن أن النص يجب أن يؤوَّل حتى يتطابق مع ما يعتبره العلم في عصره صحيحاً. وهنا يصبح خطر الدائرية واضحاً: يُفترض ابتداءً أن القرآن لا يناقض العلم، ثم إذا بدا التعارض أُعيد التأويل، ثم يُستدل بالتأويل الناتج على أن القرآن لا يناقض العلم.
- «إننا نتبنى النظرية العلمية القائلة: إن ظهور الكون المادي كان نتيجة انفجار هائل، أدى إلى تغير طبيعة المادة. ونرى أن انفجاراً هائلاً آخر، مماثلاً الانفجار الأول في حجمه، سيؤدي حتماً إلى هلاك الكن وتغيير طبيعة المادة فيه ليحل محله كون (عالم) مادي آخر. ويعني ذلك أن الكون لم ينشأ من عدم (مع التأكيد أنه لا قديم إلا الله)، بل من مادة ذات طبيعة أخرى. وأن هذا الكون سيزول ليحل محله كون آخر من مادة ذات طبيعة مغايرة، وهذا ما ندعوه “بالحياة الآخرة”» (ص 43)
يمكن رصد نمط الرصف التقريري:
- «ظهور الكون المادي كان نتيجة انفجار هائل» → تقرير كوسمولوجي.
- «انفجار هائل آخر مماثل سيؤدي حتماً إلى هلاك الكون» → تقرير كوسمولوجي آخر، أشد قوة لأنه يتضمن الحتمية.
- «الكون لم ينشأ من عدم بل من مادة ذات طبيعة أخرى» → تقرير أنطولوجي لا ينتج تلقائياً من السابق.
- «سيحل محله كون آخر من مادة مغايرة» → تقرير كوسمولوجي/ميتافيزيقي جديد.
- «هذا ما ندعوه بالحياة الآخرة» → إعادة تعريف لمفهوم ديني كامل.
المشكلة أن هذه التقريرات توضع متجاورة بحيث تبدو كسلسلة متصلة، بينما كل واحدة منها تحتاج إلى برهان مستقل.
لا يستدل شحرور هنا من العلم إلى النتيجة، بل يكدّس سلسلة من الفرضيات: من الانفجار الأول إلى انفجار ثانٍ حتمي، ومنه إلى مادة سابقة، ثم إلى كون لاحق، ثم يعيد تسمية هذا الكون «الحياة الآخرة». وكل انتقال يضيف مضموناً لا تتضمنه المقدمة السابقة، حتى تصبح النتيجة الدينية في النهاية محمولة على الفرضية الكوسمولوجية لا مستنبطة منها.
تصلح هذه الفقرة كخاتمة لنقد ما سماه شحرور بـ «المنهج»، لأنها تجمع في بضعة أسطر تقريباً كل المشكلات التي كنا نرصدها وتوضح كيفية عمل آلة التأويل عند محمد شحرور: تقرير غير مسوّغ، قفزة بين مستويات معرفية مختلفة، استعارة سلطة العلم، ثم تحويل النتيجة إلى تعريف للنص الديني.
الإطار التشغيلي اللساني: اللسان العربي المبين
يُنهي الدكتور جعفر دك الباب الفصل الأول من ملحق “أسرار اللسان العربي” بما سماه حقيقة علمية جديدة «لذلك طرحنا السؤال التالي: هل ترتبط بدائية نشأة اللسان العربي ببداية تشكل الكلام الإنسان؟ للإجابة عن هذا السؤال قدمنا نظرة جديدة إلى فقه اللغة عرضنا فيها رأينا في نشأة الكلام الإنساني، وأشرنا إلى ضرورة التمييز بين الأصل في المعجم والأصل في الاشتقاق، وطرحنا نظرة صوتية إلى المعجم العربي. وقد كشفت تلك النظرة الصوتية أن النظام اللغوي للعربية يعكس جميع المراحل التي مرت بها نشأة الكلام الإنساني. ويعني ذلك أن المادة اللغوية للعربية المتوافرة حتى يومنا الراهن والتي حفظها لنا نظام المعجم العربي تقدم شواهد تاريخية علمية تثبت بشكل قاطع أن اللغة العربية أصل قائم بذاته. ويترتب على هذه الحقيقة العلمية الجديدة النتائج التالية:
- العرب هم عرب منذ ظهور الحياة الإنسانية في وطنهم
- اللغة العربية هي اللغة الأصيلة للشعب العربي منذ بداية وجوده
- كشف زيف فرضية “أسرة اللغات السامية” و”الشعب السامي” »
سوف لن أتوسع في نقد هذا المقطع، وسوف أكتفي بما هو جوهري فيما يخص الكتاب. إن القفزة الاستدلالية من “نظرة صوتية افتراضية للمعجم” إلى “العرب هم عرب منذ ظهور الحياة الإنسانية” و “اللغة العربية هي اللغة الأصيلة للشعب العربي منذ بداية وجوده” هي قفزة هائلة تختزل آلاف السنين من التطور البشري والهجرات السكانية وتداخل الجماعات البشرية وتفاعلها وذلك في حكم قومي قاطع. وبالتالي تصبح اللغة العربية لغة استثنائية وأزلية ومعزولة عن سياقها التاريخي ومحيطها البشري. ويتضح أن هذه النتائج مفيدة إلى حد بعيد لتشغيل الآلة الدلالية.
بهذا المنطق، وبما أن اللغة العربية أصيلة وقائمة بذاتها منذ بداية الوجود البشري، فإن مقارنة الألفاظ القرآنية بمثيلاتها من لغات أخرى قريبة للعربية مثل الآرامية والعبرية يصبح بدون قيمة تفسيرية وبالتالي تصبح الألفاظ القرآنية جزراً لغوية منعزلة لا تقبل تفسرها إلا من داخلها، وهذا يقلل القيود الخارجية القابلة للتحقق على التأويل.
كما أن أزلية اللغة العربية، يتيح تطبيق مبدأ عدم الترادف بصرامة رياضية أكبر لأنه يتعامل مع معجمها كنظام مغلق، فعندما تختلف ألفاظ “الكتاب” و “القرآن” و “الذكر” و “المصحف” عندما يُقابل كل منها بكيان أو قسم مفهومي مختلف، ثم تُبى شبكة العلاقات فيما بينهم.
لكن لماذا “اللسان العربي المبين” وكيف؟
مرة أخرى، يبدو أن البنية النظرية المعرفية تُكيّف بحيث تتطابق عناصرها مع الألفاظ القرآنية المتاحة: بما أن النص يقول «وإنه لتنزيل رب العالمين […] بلسان عربي مبين» (الشعراء: 192 – 195)، إذاً يجب أن يُمنح موقعاً معرفياً خاصاً.
أما كيف توصّل الدكتور جعفر دك الباب إلى “اللسان العربي المبين” فالأمر هيّن، بسبع خطوات:
- يشير إلى أن «لفظة “لغة” كانت تُستعمل بمعنى “لهجة”٬» (ص 745)
- يؤكد على أن القرآن «استخدم لفظة “لسان” بدلاً من “لغة” للتأكيد أن لغته ليست واحدة من لغات “لهجات” العرب، بل هي لسان جميع العرب» (ص 745)
- يعرّف ما هي «اللغة العربية الفصحى» (ص 753)
- يبدأ باستخدام لفظ “لسان” بمعنى لغة (ص 755)
- يصبح لديه “لسان فصيح” (ص 755)
- ثم وبدون أي مقدمات وبالرغم من الصرامة الرياضية باستخدام مبدأ عدم الترادف يُدخل لفظة “مبين” كمرادف للفظة “فصيح: «لسان فصيح أو مبين» (ص 755)
- يبدأ باستخدام “اللسان العربي المبين” من الآن فصاعداً (ص 756)
وهكذا لا يُستخرج مفهوم «اللسان العربي المبين» من تحليل مستقل للفظة «مبين»، بل يصل إليه النص عبر سلسلة من الاستبدالات الاصطلاحية تنتهي فجأة بجعل «مبين» بديلاً من «فصيح»، مع أن مبدأ عدم الترادف نفسه يُوجب البرهنة على الفرق بينهما لا استعمال أحدهما مكان الآخر.
الإطار التشغيلي الدلالي
سوف أختبر صلابة هذا الإطار التشغيلي من خلال مساءلة: تماسك منهجية الاشتقاق الدلالي و استخدام مبدأ عدم الترادف.
منهجية الاشتقاق الدلالي
يحيل محمد شحرور على طول الكتاب إلى ما يسميه «اللسان العربي» عند اشتقاق دلالات الألفاظ. فهو هنا يقرر دون دليل (أو يوحي؟) أن الاشتقاق الذي توصل إليه هو واقعة لغوية ثابتة لا مجرد رأي معجمي محدد يمكن مناقشته.
أما من الناحية العملية فهو يعود (في أغلب الأحيان) إلى معاجم اللغة العربية وعلى رأسها “مقاييس اللغة” لابن فارس (ص 44) دون ذكرها. وبذلك يحذف شحرور طبقة كاملة من الإسناد يصعب معه ملاحقة كل اشتقاق دلالي. وذلك يجعل التحقق من دعاواه مهمة شاقة أكثر مما يجب.
وبالرغم من ذلك تابعت مصادر العديد من الاشتقاقات الدلالية بهدف فهم آلية استخراج الدلالات عند شحرور.
ضحى: ينقل محمد شحرور من مقاييس اللغة بشكل شبه حرفي، حيث يقول «فعل ضحى في اللسان العربي أصل صحيح يدل على بروز الشيء […]» (ص 289)
سنّ: يستخدم شحرور شرحاً متقارباً، لما ورد في مقاييس اللغة حيث يقول «وتعني في اللسان العربي اليسر والجريان بسهولة» (ص 549)
زاغ: يقول محمد شحرور «[…] فأحد معاني الزيغ في اللسان العربي هو النقصان، فإذا أعطينا زيداً مئة تفاحة وزاغ في العد فهذا يعني أنه عدها أقل من مائة، واذا عدها أكثر من مائة فإنه طغى في العد، وقد وضع الله سبحانه وتعالى الزيغ والطغيان من المتضادات بقوله (ما زاغ البصر وما طغى)» (ص 192). ليس من المعروف أي معجم يشير إليه بت “اللسان العربي”. لأن اللفظة تعني “الميل” في مقاييس اللغة، وفي معجم لسان العرب تعني “الميل، العدول، كلّ البصر، التمايل” وفي معجم تاج العروس “الميل، الشك، الجور، كلّ البصر” وفي معجم الصحاح “الميل، كلّ البصر، الإمالة”. أي أنه لم يقدم شاهداً لغوياً على أن الزيغ يعني النقصان، وإنما أنشأ مثالاً افتراضياً ثم حمّل الزيغ فيه معنى النقصان، وبعد ذلك استخدم هذا المعنى المستحدث لتفسير التقابل بين الزيغ والطغيان في الآية. وهذا إقحام دلالة غير موثقة.
قرآن: يقول الباحث «سُمي قرآناً لأن القرآن جاء من “قرأ” وعلى قول بعضهم من “قرن” وكلاهما يعني الجمع والمقارنة […] والأساس في اللسان العربي هو فعل “قرن” فعند ابن فارس نرى أن فعل “قرأ” اشتق من فعل “قرن” ومن هنا جاء معنى القراءة عند العرب وهو العملية التعليمية لأنها لا تكون إلا بالمقارنة» (ص 94) وفي موضع آخر يقول «القرآن جاء من “قرن” وهو جمع الجزء الثابت من قوانين الكون الموجود في (اللوح المحفوظ) مع الجزء المتغير الموجود في (الإمام المبين).» (ص 80)
أولى المشكلات في هذا الاشتقاق أن ابن فارس لا يقول أبداً في مقاييس اللغة أن فعل “قرأ” اشتق من فعل “قرن”، بل إنه يعالج هذا الأخير بوصفه جذراً مستقلاً، ويقول أن أحد أصليه يدل على “جمع شيء إلى شيء”. أما “قري” ومنها “قرأ” فهي وفق ابن فارس أصل صحيح يدل على جمع واجتماع. أي أن شحرور قفز من التشابه الدلالي إلى الاشتقاق التاريخي.
وحتى بعد افتراض أصل قرن، لا يقف الشحرور عند معنى الضم والجمع، بل ينتقل إلى أن القراءة لا تكون إلا بالمقارنة ثم ينتقل إلى أن القراءة هي العملية التعليمية، ليقدم النتيجة الأخيرة وكأنها حقيقة لغوية ثابتة من “لسان العرب”.
والأخطر من ذلك أنه يأخذ النتيجة المعجمية قرن = جمع شيء إلى شيء، ثم يحملها معنى نظري يحتاجه مشروعه نفسه وهو جمع الجزء الثابت من قوانين الكون إلى الجزء المتغير.
التنزيل والإنزال: هنا نلاحظ أمراً هاماً أن الشحرور لا يعود إلى أي من المعاجم ولا حتى ما يُطلق عليه اللسان العربي من أجل استنتاج دلالة كل لفظة، بل يتبع أسلوباً محفوفاً بالمخاطر من كثرة القفز.
يبدأ الشحرور بالقول «إن الهمزة: في اللسان العربي تعطي معنى التعدي. مثال على ذلك: بلّغ وأبلغ. فلدينا مصطلحان هما البلاغ والإبلاغ. […] عملية البلاغ هي عملية نقل من شخص إلى آخر دون التأكد من أن الشخص المنقول إليه البلاغ وصله الخبر. […] عندما يصل محتوى البلاغ إلى إدراك ووعي كل مواطن مقصود بهذا البلاغ يصبح إبلاغاً» (ص 148)
أولاً: إن أهم وظائف همزة صيغة “أفعل” هي التعدية وليس كما يوحي كلام الشحرور بأن وظيفتها الوحيدة هي التعدية.
ثانياً: هناك أفعال على وزن “أفعل” لا تكون همزتها للتعدية، مثل “أخطأ”.
ثالثاً: “بلّغ” ليس الأصل المجرد الذي أضيفت إليه الهمزة حتى نقارنها مع “أبلغ”.
رابعاً: لم أقع على هذا التمييز في مقاييس اللغة أو معجم لسان العرب على سبيل المثال.
أي أن محمد شحرور انطلق من معلومة لغوية لها أصل صحيح، ثم حملها الدلالة التي تساعده في تأويله، ثم يقدمها على أنها فرق كامن في “اللسان العربي”.
وفجأة ينتقل من البلاغ والإبلاغ إلى تعريف كلاً من التنزيل والإنزال حيث يقول «التنزيل: هو عملية نقل موضوعي خارج الوعي الإنساني. والإنزال: هو عملية نقل المادة المنقولة خارج الوعي الإنساني، من غير المدرك إلى المدرك، أي دخلت مجال المعرفة الإنسانية» (ص 149)
وهناك يقوم شحرور ليس فقط بقفزة استدلالية، بل ينقل اعتباطياً الفرق الدلالي الذي أنشأه بنفسه لزوج اشتقاقي إلى زوج اشتقاقي آخر، ومن ثم يحمّل النتيجة مضموناً إبستمولوجياً غير موجود في أي من الصيغتين.
وكما قال شحرور نفسه «إن شرح الفرق بين الإنزال والتنزيل يعتبر أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الكتاب بشقيه: النبوة والرسالة كما له علاقة كبيرة بمبادئ التأويل» (ص 147). فأين يضعنا اهتزاز هذا المفتاح الرئيسي الآن؟
يتبين من هذه الأمثلة أن شحرور لا يلتزم منهجًا واحدًا في تقرير الدلالات: فهو يستند أحيانًا إلى ابن فارس، ويحوّل أحيانًا أخرى التشابه الدلالي بين جذرين إلى علاقة اشتقاقية، كما ينشئ في بعض المواضع مثالًا افتراضيًا يُحمِّل اللفظَ دلالةً غير مثبتة معجميًا، ثم يوظف هذه الدلالة في التفسير كما في حالة (زاغ)، وينسب نتائج هذه الإجراءات جميعًا إلى «اللسان العربي».
استخدام مبدأ عدم الترادف
في المستويات اللغوية الأكثر عمقاً من وظائف التواصل اليومي، أميل إلى الأخذ بنظرية عدم الترادف المطلق في اللسانيات. وإن أدرت نقد آلة محمد شحرور من داخلها، فسوف أُسلم أن النص القرآني نص إلهي، وبالتالي أُسلم للنص بالصرامة الرياضية لسانياً. ومع ذلك فإن محمد شحرور ذهب في هذه المدرسة أبعد ما تسمح به هي نفسها.
قد تتطابق كلمتان في المعنى الأساسي لكنهما قد تختلفان بالظلال العاطفية، أي المشاعر والإيحاءات. وقد تختلفان بالدلالة الجغرافية مثل كلمة مصعد في اللغة الإنكليزية فإن سمعت أحدهم يقول Lift فإنك سوف ترجح أنه بريطاني، أما إن قال Elevator فإنك سوف ترجح أنه أمريكي، أو كلمتي حليب ولبن في اللهجتين السورية والمصرية على التوالي. وهناك حالات أخرى تختلف فيها كلمتان بالرغم من أن المعنى الأساسي لهما متطابقين. أي أنه بهذا المعنى من شبه المستحيل أن تتطابق لفظتين تماماً.
يميز غوتلوب فريغه (Gottlob Frege) بين المرجع (Reference) والمعنى (Sense)
المرجع: أي الشيء المشخص في الواقع البشري. وفي هذا المثال يتطابق المرجع في الجملتين 100٪.
المعنى: أي الطريقة التي تم بها تمثيل هذا المرجع في وعي السامع.
في مثال غوتلوب فريغه الشهير عن كوكب الزهرة:
- اللفظ الأول: “نجم الصباح” (The Morning Star)
- اللفظ الثاني: “نجم المساء” (The Evening Star)
الحمولة الدلالية والمعنى الذهني للفظين مختلفان تماماً؛ الأول يرتبط بالشروق والظهور صباحاً، والثاني بالغروب والظهور مساءً. لكن المرجع في الواقع الخارجي لكن المرجع في الواقع الخارجي واحد وعياني ومتطابق (وهو كوكب الزهرة).
لذلك، حتى لو سلمنا بـ “عدم الترادف المطلق” في المعنى والصفة، وحتى لو أثبتنا اختلاف لفظتين في المعنى، فإن هذا لا يسوغ منطقياً تفكيك المرجع إلى حاوية ومحتوى، أو جعل أحدهما متضمناً في الآخر أو جعل أحدهما مختلفاً عن الآخر، فكل هذا يحتاج إلى أدلة إضافية مستقلة.
الإطار التشغيلي للتعامل مع السنة والمرويات
تحت عنوان «مفردات قاموس الثورة النبوية “الأصالة الثورية”» يقص علينا محمد شحرور الخطوط العريضة لنشأة الإسلام بوصفه ثورة. من المهم ملاحظة اتفاق البنية العامة لسيرة الدعوة الثورة مع ما يرد في المرويات، مثل بداية الدعوة سرية في مكة، والتحول إلى الدعوة العلنية ثم الهجرة وبداية الصراع المسلح وصلح الحديبية وغزوات مؤتة وتبوك …الخ. واستشهد أثناء هذا العرض ببعض الآيات التي اتبع فيها التصنيف التقليدي “مكية” و”مدنية”. ليس من المهم ما ورد في تفاصيل هذا العرض “التاريخي”، المهم أنه مستند في هيكله الأساسي على المرويات الإسلامية، ولا نعلم بالضبط على أيّ منها اعتمد شحرور في هذا العرض.
ويجب أن نعلم أن أي محاولة لفهم محتويات المصحف يتعذر بدون معرفة بأسباب النزول وترتيب بعض الوقائع التاريخية ومعرفة المكي والمدني، ومعرفة أي آية نزلت قبل الأخرى، وأحياناً تعيين الشخص المشار إليه في النص. وكل ذلك يتأتّى من شبكة من المرويات. بدون هذه السياقات التي تقدمها المرويات فلا يمكن معرفة من هو زيد في الآية «فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها» (الأحزاب: 37) وكيف تم تحريم التبني؟
ثم يحدد محمد شحرور النهج الذي يجب اتباعه لإعادة النظر في كتب الحديث:
«أ. تقسم الأحاديث الشريفة إلى أحاديث النبوة وأحاديث الرسالة
ب. تقسم أحاديث الرسالة إلى أحاديث ملزمة بالنص والمضمون معاً والمتعلقة بالعبادات والحدود والأخلاق (الصراط المستقيم) وأحاديث ملزمة بالمنهج فقط مثل أحاديث التعاريف أي علينا أن نعرف السارق قبل قطع اليد لأن النبي عرفه، والإلزام علينا هو التعريف لا عين التعريف.
ج. علينا تبيان أن أحاديث النبوة ليس لها علاقة بالحلال والحرام
د. علينا إعادة النظر في تنقيح الأحاديث المتعلقة بالغيبيات على ضوء الفهم الحديث للقرآن
هـ. علينا اعتبار كل الأحاديث المتعلقة بالحلال والحرام والحدود، التي لم يرد نص فيها في الكتاب على أنها أحاديث مرحلية مثل الغناء والموسيقى والتصوير واعتبارها أحاديث قيلت في حنيها حسب الظروف السائدة، وعلينا أيضاً اعتبار كل أحاديث الغيبيات التي لا تنطبق مع القرآن مثل عذاب القبر والروح على أنها سر الحياة على أنها أحاديث ضعيفة أو موضوعة وعدم الأخذ بها» (ص 571 – 572)
لنلاحظ ماذا تقول الفقرة “هـ”: أقرر أولاً ما الذي يسمح به “الفهم الحديث للقرآن” ثم أعرض الأحاديث عليه، فما وافقه أحتفظ به وما خالفه أُصنّفه ضعيفاً أو موضوعاً. ماذا يحدث إن تشابهت سلسلة الرواية في حديث من القسم “ب” مع حديث من القسم “هـ”؟
أي لنفترض أن A حديث ملزم بالنص والمضمون، له نفس سلسلة الرواة للحديث B الذي هو حديث غيبيات لا يتطابق مع القرآن. ما هو المعيار الذي يجب أن نستخدمه لإبقاء الحديث A وتضعيف الحديث B؟
شحرور لا يقدم منهجاً مستقلاً لنقد الحديث ثم يستخرج منه النتائج؛ بل يقدم نتائج نظرية مسبقة (التأويل) ثم يعيد فرز الحديث بحيث يتوافق معها، ثم يستخدم الأحاديث التي أبقى عليها لدعم تأويلة
أي نظام تأويلي يستطيع أن يصبح محصناً إذا كان يمتلك في الوقت نفسه سلطة تحديد معنى النص وسلطة استبعاد الشواهد المخالفة له.
الخلاصة
ينقد هذا البحث الأسس المنهجية التي أقام عليها محمد شحرور مشروعه في «الكتاب والقرآن»، بدلاً من مناقشة نتائجه الفقهية منفردة. ويخلص، من خلال تحليل نماذج من منهجه المعلن، وتأصيله اللساني، وتطبيقه لمبدأ عدم الترادف، وطريقته في التعامل مع المرويات، إلى تكرار نمطين: القفز بين مقدمات ونتائج لا تربطها جسور استدلالية كافية، ورصف الدعاوى في صورة مقدمات مقررة. وبذلك تبدو كثير من النتائج متولدة من افتراضات تأويلية سابقة، لا من منهج مستقل قابل للاختبار والتفنيد.
اترك تعليقاً