تهافت بناء محمد شحرور في الكتاب والقرآن

أول معرفتي بالقرآنيين كانت قبل أكثر من عشر سنوات عندما احتدم النقاش بيني وبين أحد الإسلاميين من زملاء المعتقل سابقاً حول مستقبل غير المسلمين في سوريا. حينها قفز ذلك القرآني صاحب الشهادة الجامعية في علم النفس وقال «في نهاية الأمر كلنا مسلمون». لم نعره انتباهنا بسبب الأجواء المشحونة ولأن ما قاله غير ذي معنى، بل في الحقيقة كان مستفزاً بعض الشيء.

ثم سمعت لاحقاً أن الإسلام كرّم المرأة وكل الانتهاكات في حقها ما هي إلا سوء تفاهم لأن:

  1. القرآن لم يأمر بضرب المرأة وأن الضرب في الآية «واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن» (النساء: 34) لا تعني الضرب كما نفهمه.
  2. القوامة في الآية «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض» (النساء: 34) لا تعني أن السلطة للرجال
  3. حصة الذكر في الآية «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين» (النساء: 11) ليست ضعف حصة الأنثى من الميراث. 
  4. النساء في الآية «زُيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حُسن المآب» (آل عمران: 14) لسن نساءً بل شيئاً آخر.
  5. وشهادة المرأة تعادل شهادة الرجل بتمامها في الآية «واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان» (البقرة: 282) حتى الآية تقول أن شهادة امرأتين كافية دون وجود أي رجل.
  6. والمرأة لا تقطع الصلاة مثل الكلب والحمار في الحديث الصحيح «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب» (صحيح مسلم: 511)

وتعرفت مؤخراً على قناة “مجتمع” على اليوتيوب من خلال ترشيحها من قبل بعض الأصدقاء اللادينيين بوصفها تقدم شيئاً جديداً ومهماً. تابعت أجزاء من بعض حلقاتها، فلفت نظري بعض الأخطاء، أقول أخطاء تأدباً فقط، التي لا يتسع المجال لذكرها بالتفصيل هنا. لكن سأكتفي بذكر أنهم يدعون أن كلمة مشركين في القرآن لا تعني ما نفهمه عادة، بل هم الذي يشركون الآخرين في فراش الزوجية وأنه يمكن اعتبار “إبراهيم” الذي تنسب إليه الأديان الإبراهيمية هو مؤسس المنهج التجريبي لأنه طالب الله بالبراهين في الآية «وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تُحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي».

لم أفكر في قراءة كتاب “الكتاب والقرآن” لمحمد شحرور من قبل، رغم كل الزوابع التي أثارها لأني لم أر أنه يستحق. إلا أني لاحظت مؤخراً انتشار الإعجاب بنتائج “منهجه” حتى بين غير المؤمنين من ذوي التحصيل العلمي العالي. فقررت قراءة الكتاب والدخول معه في علاقة نقدية بهدف اكتشاف وتتبع الآليات التي تؤدي إلى النتائج “المفاجئة” كالتي ذكرت أعلاه.

بدأت القراءة بسؤال معرفي: ما هو المنهج الذي اتبعه محمد شحرور للتوصل إلى نتائجه؟ لكن هالني ما قرأت في المقدمة وفي ملحق “أسرار اللسان العربي” فتحول السؤال إلى: هل توجد نظرية أصلاً أم بلازما مفاهيمية يستخدمها محمد شحرور لتشكيل مخياله حول القرآن والإسلام؟

فقررت العمل على بحث منهجي لـ نقد الكتاب والقرآن لمحمد شحرور

تكمن المشكلة الجوهرية في منهج محمد شحرور بأنه، وكل النخبة الإسلامية معه، يريد أن يستخرج من النص المقدس (قرآن و/أو أحاديث) حلولاً لكل ما يمكن أن يعترض البشر من معضلات ابتداءً من القضاء والقدر والحرية، ومشكلة المعرفة، ونظرية الدولة، والمجتمع والاقتصاد والديمقراطية، وتفسير التاريخ.

لم أفعل شيئاً سوى كشف تهافت أدواته المعرفية، حيث يقدم الشحرور نموذجاً لأسوأ ما يمكن أن يكون عليه البحث العلمي، حيث تبلغ ذروة التلفيق لديه أثناء تلبيس كلاً من فعلي “بلّغ” و”أبلغ” فروقات دلالية ليست فيهما، ومن ثم نقل نفس هذه الفروق إلى لفظتي “أنزل” و”نزّل” بشكل اعتباطي صرف. وهما كما قال الشحرور عنهما «إن شرح الفرق بين الإنزال والتنزيل يعتبر أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الكتاب بشقيه: النبوة والرسالة كما له علاقة كبيرة بمبادئ التأويل»

أشعر بالأسى لأولئك المسلمين اللطيفين الذين ضاقوا ذرعاً بالتوتر بين الرغبة بالتمسك بالإيمان من جهة وبين تناقض الإسلام السائد مع حقوق الإنسان عموماً وحقوق المرأة خصوصاً، ناهيك عن تناقض هذا الإسلام مع العلم. كان تيار محمد شحرور جواباً لأسئلتهم المؤرقة وحلاً لهذا التوتر.

كما يحزنني أولئك اللادينيون الذي يعتقدون أن تيار الشحرور ربما يمثل اللوثرية الإسلامية كمخرج من انسداد الأفق الأخلاقي والسياسي والعلمي الحاصل اليوم في العالم الإسلامي.

إن كتاب محمد شحرور وتياره كله يعبر عن عمق أزمة العالم الإسلامي من ناحيتين:

أولاً: الأزمة عميقة لدرجة أن المؤمنين وغير المؤمنين فيه يتلقفون كتاباً ذا منهج متهافت ويرون فيه خلاصاً محتملاً، ليس لشيء سوى أنه يدّعي العلمية والمعاصرة.

ثانياً: ضعف إمكانات التفكير النقدي، وسوء فهم مبادئ التفكير العلمي ومناهج البحث في التوصل إلى نتائج مبرّرة بعيداً عن التلفيق. وأقول جاداً، أن هذا الكتاب يجب أن يُدرس في الجامعات بوصفه دراسة حالة عما يجب أن لا يكون البحث العلمي عليه.

الشحرور يشبه شخصاً أقام بناءً يبدو من الخارج أنه الطراز الحديث إلا أن أساساته متهاوية. بل حتى أن هذا الشخص لم يراع انسجام العناصر فأضاف إلى البناء كل ما أعجبه من الأبنية الحديثة. وبمجرد تعرض الأساسات لأدنى اختبار ينهار البناء كله. خطورة الأمر أن المتشوقون للأبنية الحديثة يعتقدون أن هذه هي الطريقة الصحيحة، فيُشيّدون أبنيتهم على شاكلتها، فنحصل في مدينة تنهار على رؤوسنا عند أول هزة صغيرة.

ليس الحل في تيار الشحرور أو غيره، إنما بالاشتباك نقدياً مع الواقع المعاصر ومشكلاته بعيداً عن سلطة النص الديني أو أي سلطة تفرض النتائج مسبقاً كمدخلات للتفكير. الحل في أن نعترف بجهلنا ونتجرأ على التفكير أو نفنى.

يمكن قراءة البحث كاملاً بالضغط على الرابط هنا


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *